الشيخ محمد هادي معرفة

222

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

والتحقيق ، وهكذا مع كلّ يوم يمرّ . كانت فكرة « ذاتٍ وُلدت في قلب الأزلية » تكتسب قوّة تظلّ تتزايد ، حتّى تحوّلت إلى عقيدة في صلب الدين . وقد كانت تعاليم المسيح حَريَّةً بأن ترقى إلى مفهوم عن اللّه أشدّ نقاءً وأعظم مجدا ، غير أنّ قرونا ستّة قد مضت على عيسى عليه السلام ظلّت تلفّه طوالها هذه الخزعبلات التي تتعارض مع رسالته ، فكان أن أضفت عليه صفة الأُلوهية . وهكذا فإنّ العبد قد احتلّ مكان مولاه في تقديس البشر . ولمّا كانت جمهرة العامّة عاجزة عن أن تستوعب - أو حتّى تدرك - المزيج العجيب للفلسفات الفيثاغورية الجديدة والأفلاطونية واليهودية الهيلينية ، وكذلك تعاليم المسيح ، فقد عبدته كما لو كان إلها أصيلًا ، أو انقلبوا إلى عبادة الآثار وآلهة منحوتة تمثّل امّه البتول . وحين كان المدى قد طال على هذه الخزعبلات فإنّ المسيحيين قد ابتعدوا كثيرا عن بساطة تعاليم المسيح عليه السلام . حتّى لقد أصبحت عبادة الصوَر والقدّيسين والآثار جزءً لايتجزّأ من ديانة يسوع . وكذلك فإنّنا نرى أنّ الشرور التي شجبها عيسى عليه السلام نفسه والطقوس التي أنكرها قد أخذت تدخل في صلب دينه ، واحدة تلو أخرى . * * * وبعد ، فإنّنا نرى ضدّ كلّ هذه السخافات التي كانت سائدة طول عصور والتي ظلّت مستحكمة البنيان ذلك العهد كان هدف نبيّ الإسلام في حياته موجّها ومركّزا على أسس قويمة يدعمها العقل والفطرة السليمة . فهو إذ يخاطب الناس يخاطبهم بحقّ ، وهو متأثّر باتصال وثيق مع اللّه ، اللّه الذي خلق الكون جملةً وتفصيلًا . ولم يحد محمّدٌ صلى الله عليه وآله عن طريق العقل الرشيد . ورغم قيام عبدة الأوثان - من أبناء القبائل العربية من جهة ، وأتباع المسيحية واليهودية الممسوختين من جهة أخرى - بمحاولة إغرائه ، فقد ظلّ يخاطبهم حتّى جعلهم يخجلون من فظاعة معتقداتهم . وهكذا ، فإنّ نبي الإسلام - الذي كان يسمّى بحقّ « سيّد القائلين » و « سيّد المرسلين » والداعي إلى وحدانية اللّه - قد صمد ، كما يحدّثنا التاريخ ، في صراع نبيل واجهته به أوّل الأمر ، ثمّ فرضته عليه بعد ذلك محاولات الإنسان الرجعية الرامية إلى إشراك مخلوقات أخرى مع خالق الكون . غير أنّ الدعوة قد غلبت الجميع ، وظهر الدين كلّه على الشرك كلّه .